مركز الثقافة والمعارف القرآنية

79

علوم القرآن عند المفسرين

يعملون بها . والثالث - معناها أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها ، ذكره الطبري واختاره البلخي والرابع - ما قاله الحسن البصري : انك إذا فتشت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها » « 1 » . قال ابن تيمية في جواب ، هل صح عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم انّه قال : « للقرآن باطن » : « أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المختلفة التي لم يروها أحد من أهل العلم ، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث ، ولكن يروى عن الحسن البصري « 2 » موقوفا أو مرسلا أن لكل آية ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا ، وقد شاع في كلام كثير من الناس : علم الظاهر وعلم الباطن وأهل الظاهر وأهل الباطن ، ودخل في هذه العبارات حق وباطل . وقد بسط هذا في غير هذا الموضع ، لكن نذكر هنا جملا من ذلك فنقول : المراد بعلم الباطن : قول الرجل : « الباطن » إما أن يريد علم الأمور الباطنة مثل : العلم بما في القلوب من المعارف والأحوال ، والعلم بالغيوب التي أخبرت بها الرسل وإما أن يريد به العلم الباطن ، أي الذي يبطن عن فهم أكثر الناس ، أو عن فهم من وقف مع الظاهر ونحو ذلك . فأما الأول فلا ريب أن العلم منه ما يتعلق بالظاهر كأعمال الجوارح ، ومنه ما يتعلق بالباطن كأعمال القلوب ومنه ما هو علم بالشهادة ، وهو ما يشهده الناس بحواسهم . ومنه ما يتعلق بالغيب وهو ما غاب عن إحساسهم . وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب « 3 » ، كما قال تعالى : ألم ، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ

--> ( 1 ) التبيان ج 1 ص 9 . ( 2 ) هو الحسن بن يسار البصري ، أبو سعيد : تابعي ، وتوفي عام 110 ه . راجع تهذيب التهذيب ، ووفيات الأعيان ، وميزان الاعتدال ج 1 ص 254 وحلية الأولياء ج 2 ص 131 . ( 3 ) الإيمان بالغيب : هو العتبة التي يجتازها الإنسان فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه الحواس إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس ، أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس ، وهي نقله بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي ، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود ، وفي إحساسه بالكون ، وما وراء الكون من قوة وتدبير ، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض ، فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير